التفلسف عند ديكارت - د. عبد الحفيظ أيت القائد

التفلسف عند ديكارت
  • التفلسف عند ديكارت

  • بقلم: الأستاذ عبد الحفيظ أيت القائد


تبدأ الفلسفة الحديثة حسب التقليد السائد في تاريخ الفلسفة من الفيلسوف الفرنسي رونييه ديكارت ذلك أن فلسفة هذا الأخير تميزت بكونها تقترح منهجا جديدا للتفكير كما تقترح مضامين جديدة لمفاهيم قديمة لقد أراد ديكارت في طريقة التفلسف التي اقترحها أن يتحر ر ما أمكن من طريقة التفكير الفلسفي الذي كان سائدا في العصر الوسيط وبالتالي لم يرغب في الانطلاق من حقائق إلا بعد أن يكون متيقنا أنها بالفعل حقائق تصمد أمام الشك وتقبل البرهنة عليها ومن هنا أمكننا القول بأن ديكارت لم ينطلق من فكرة الوجود العام باعتباره فكرة بديهية وتلقائية يجب التسليم بها كما لم ينطلق من فكرة وجود الله كيقين لا يحتاج إلى أدلة إثبات عقلية بل إن ديكارت يفتخر ويتباهى بأنه لم ينطلق من أية حقيقة ليست قابلة للبرهنة العقلية، وهكذا أراد ديكارت أن يبدأ الفلسفة الحديثة بالشك: أنا نشك فيما قدم إلى حد عصره على أنه حقائق ونفحص تلك الحقائق حتى نعتر على واحدة منها صلبة ومتينة يمكن أن تؤسس عليها التفكير الفلسفي الجديد،وفي هذا السياق تظاهر ديكارت أنه يتخلى مؤقتا على كل معارفه السابقة وما لقن له من مبادئ أي يتخلى عنها وسيعود إليها بعد ذلك عندما يصل إلى الحقيقة،ولا ننسى أن ديكارت كان يستلهم من المنهج الرياضي ومن روح هذا المنهج ولا ننسى أيضا أنه كان عالم بالرياضيات وله نظريات معروفة بهذا المجال،لقد كانت مطامع ديكارت في الفلسفة الحديثة تستهدف بلورة نجاح التفكير الفلسفي انطلاقا من نموذج الرياضيات الذي اكتسبه في طفولته بدءا من السهل إلى المعقد ومن البسيط إلى المركب وينتقل خطوة خطوة من أبسط المبادئ إلى أعقد النظريات ينتقل فيما يسمى في لغتها بالمسلمات البديهية وهذا ماجعل ديكارت يتبنى منهج الشك حتى يعثر في الفلسفة عن قضايا بسيطة جدا وبديهية لا تحتاج إلى برهان ونقاش وتنتقل منها إلى القضايا المعقدة والمركبة،إذن كيف قارب ديكارت معنى الشك؟الشك عالم تفكيري يقوم فيه الإنسان بالمقارنة بين الأشياء،فينفي بعضها ويتبث الأخر،والشك إذن هو نوع من التفكير فالذي يشك يفكر حتى وإن لم يتبث حقيقة معينة،عندما أقول أني أشك فهذا يعادل قولي بأنني أفكر وعندما أفكر فهذا يعني أني موجود إذن لكي تكون ذات مفكرة يجب قبل كل شيء أن توجد،ومن هنا صاغ ديكارت عبارته المسماة بالكوجيطو والتي تقول ‘’ أنا أفكر إذن أنا موجود’’ وهذه القضية الفلسفية الأولى تعني أن الفكر هو صفة أساسية وجوهرية للوجود الإنساني وتعني أن بالإمكان أن نستنتج منها معيار اليقين بحيث يجوز لنا أن نقول على لسان ديكارت ‘’ لا يجب أن أقبل أي حقيقة إلا ما كان واضحا ومتميز العقل’’ فالذي يمتنا بالحقيقة هو العقل والمعيار الذي يقيس به هذه الحقيقة هو الوضوح والتميز ومن هنا يكون ديكارت قد وضع أسس العقلانية الحديثة التي تستلهم كثيرا من الرياضيات.
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -