الانتحار كظاهرة اجتماعية - نجاة البدوي

الانتحار كظاهرة اجتماعية

  • الانتحار كظاهرة اجتماعية

  • بقلم: نجاة البدوي

القصة 1:

يعيش محمد ذو 16 سنة مع اخيه عماد الذي يكبره بحوالي 8 سنوات ووالدته التي تملك مركزا للتجميل يأخذ اغلب وقتها.بينما يرى والده الذي سافر للعيش بأمريكا بعد انفصاله عن والدته مرة كل سنتين أو ثلاث...يتكلف السائق بأخذه الى المدرسة وتتكلف الخادمة بالطبخ والتنظيف والترتيب في البيت.يظل محمد حبيس غرفته بعد عودته من المدرسة عدا مرتين في الاسبوع يذهب الى نادي التنس.احيانا تمر يومين او اكثر دون ان يرى والدته التي تعود الى البيت متأخرة وكذلك أخوه عماد الذي لديه اصدقاء وانشغالات وارتباطات مختلفة تماما عن اخيه...محمد ليس لديه أصدقاء فلم يسعفه طبعه بكونه انسانا انعزاليا في تكوين صداقات...يقضي وقته بين الحاسوب والكتب والجلوس وحيدا في حديقة المنزل من حين لآخر.احيانا كان يتجول فيها ليلا يحدق في اشجارها واركانها خاصة عندما يصاب بالارق.عندما لاحظت الخادمة ذلك اخبرت والدته التي قررت ان تاخذه الى طبيب نفسي خاصة بعد امتناعه عن الاكل وآبداء عدم رغبته في الذهاب الى المدرسة والى نادي التنس...كان ياخذ الادوية التي وصفها له الطبيب احيانا ويرميها من شرفة غرفته احيانا اخرى.في صباح يوم الاحد بينما كانت والدته تتجه لممارسة تمارينها الرياضية صدمت بجثة محمد معلقة باحدى اشجار الحديقة بسلك كهربائي يتقادفها الهواء كدمية فارغة من الحياة تماما.

مات محمد منتحرا

انتهت القصة

القصة 2:

لم تكن عادته...فقد تعود سمير على الاستيقاض باكرا حتى في فترة الحجر الصحي التي فقد فيها عمله كنادل بمقهى...فكرت زوجته فاطمة ان توقضه ثم تراجعت عندا تذكرت انه اصبح في الاونة الاخيرة مهموما صامتا يفضل العزلة والانزاء بغرفته بسبب ضيقته المالية التي ضاعف من حدتها صاحب البيت الذي خيره بين دفع الايجار او الافراغ.امتنع ايضا عن تناول العشاء مع ابنائه الاربعة وزوجته.كانت فاطمة تفتح باب الغرفة وتكلمه من حين لاخر لكنه كان شاردا لايرد على كلامها كانه انفصل تماما عن هذا العالم...

تذكرت فاطمة كل تلك التفاصيل وهي تحضر وجبة خبز يابس مع القليل من الفول والعدس...شعرت فاطمة بالقلق ففتحت باب الغرفة للاطمئنان عليه لتصدم به جثة هامدة على فراشه...تجرع سم الفئران في الصباح الباكر عندما اتصلت به فاطمة التي توجهت للاقتراض من احدى اخواتها بعدما باعو اغلب اثاث البيت.لم ينبس بكلمة عندما اخبرته ان اختها لاتملك المبلغ وان كل ما استطاعت مساعدته بها القليل من الخضر والفول والعدس والدقيق.تجرع السم مباشرة بعد ان انهت مكالمتها.

مات سمير منتحرا

انتهت القصة

القصة 3:

تشبع خالد الذي يعيش بفرنسا على يد جماعته وزعيمها بفكرة ان الفرنسيين اعداء للاسلام يكرهون المسلمين ويتامرون عليهم خاصة بعد صدور قانون يمنع ارتداء النقاب وحادثة منع فتاة من السباحة بالبركيني وكذلك دعوة بعض الفرنسيين الى حضر الحجاب في الاماكن العامة تجنبا لاسلمة المجتمع الفرنسي...

كان خالد يرى ان المسلمين اخوانه في الاسلام يعانون من الظلم والكراهية وان واجب تلك الاخوة يحتم عليه الانتقام من "الكفار"الذين يعادونهم نصرة لقيم جماعته.لم تاخذ المسالة منه الكثير من الوقت وهو الوفي لجماعته والمطيع لزعيمها ان يرتدي حزاما ناسفا ثم يفجر نفسه وسط جمهور من الفرنسيين الذين كانو قد تجمهرو حول مغاربة وهم يغنون ويرقصون باحدى الساحات العامة بفرنسا.

مات خالد منتحرا

انتهت القصة.

القصة 4:

كانت خديجة ذات العشرين سنة تشتغل خادمة باحدى البيوت بمدينة الرباط عندما تعرفت على احمد الذي يشتغل سائقا عند نفس العائلة.نشات بينهما علاقة حب ثم وعدها بالزواج في اقرب فرصة تسمح له ظروفه المادية بذلك.نشأ عن تلك العلاقة حمل خديجة التي طردتها صاحبة البيت من العمل فور علمها بذلك.اتجهت الى مدينة البيضاء بحثا عن عمل اخر من اجل تدبيرمبلغ تدفعه من اجل عملية الاجهاض التي اخبرتها كاتبة احد اطباء النساء والتوليد انها تكلف 10 الاف درهم لانها عملية غير مسموح بها قانونيا.ازدادت ظروفها تعقيدا عندما بدا بطنها بالبروز وهي لم تدبر ذلك المبلغ بعد.تعرضت مرة ثانية للطرد من طرف اصحاب البيت الذي تعمل به عندما  لاحظو حملها...بينما كانت تسير متعبة في شوارع البيضاء بحثا عن شخص يساعدها اتصلت بها امها التي اخبرتها ان والدها علم بحملها من احدى بنات الجيران التي صادفتها مرة بالشارع وان متناعها عن زيارتهم وارسال المبلغ الذي تعودت ان ترسله لهم كل شهر اكد لوالدها كلام تلك الشابة.طلبت منها امها ان تختفي عن الوجود تماما لان والدها واخوتها  يبحثون عنها و ينوون قتلها ثم انقطعت المكالمة...توجهت خديجة مباشرة الى احدى المحلات اشترت سما ثم تجرعته وهي تسير في الشارع.استندت الى احدى جدران مؤسسة تعليمية بعد ان خارت قواها واصبحت لا تقوى على المشي وهناك لفضت انفاسها الاخيرة  تحت ذهول التلاميذ الذين تجمعو حولها في انتظار سيارة الاسعاف من اجل انقاذها.

ماتت خديجة منتحرة

انتهت القصة

حضيت ظاهرة الانتحار كغيرها من الظواهر الاجتماعية بانشغال و اهتمام علماء الاجتماع. ويعد تحليل اميل دوركهاييم الذي نشر سنة 1897 تحليلا وبحثا من الاهمية بمكان في بحوث علم الاجتماع حيث يخلص بعد دراسته انه بالرغم من ان الانتحار يبدو فعلا شخصيا الا ان المجتمع له اثره في الظاهرة.ذلك ان انماط سلوك الفرد يجري تشكيلها وصياغتها من طرف المجتمع حسب دوركهاييم.وقد كانت هناك دراسات سابقة في هذا المجال للظاهرة التي اعترفت باثير العوامل الاجتماعية في الاتحار لكن بناءا على اعتبارات  كالعرق والمناخ والاضطربات العقلية بينما اسر دوركهاييم على تقديم تفسيرات سسيلوجية للظاهرة وخلص من نتائج دراسته الى ان هناك قوى اجتماعية خارجة عن الفرد تاثر في معدلات الانتحار وتفسرها.وربط ذلك التفسير بمفهومين هما التكامل الاجتماعي والتنظيم الاجتماعي ثمقسم الانتحار الى اربعة انواع:

الانتحار الاناني:

يتميز بانخفاض درجة التكامل في المجتمع عندما يعاني الفرد من عزلة تامة وتنقطع او تضعف علاقته مع المجموعة كما هو الحال في قصة محمد (القصة 1)

الانتحار الامعياري:

الذي يعتبر التغير السريع وشيوع عدم الاستقرار في المجتمع واختلال التوازن بين تطلعات الفرد وظروفه من اهم اسبابه مثال قصة سمير( القصة 2)

الانتحار الايثاري  عندما يكون هناك تكامل شديد بين الفرد وجماعته لدرجة تغليب قيم الجماعة على قيم الفرد ومصلحته حيث يتخذ الانتحار طابع التضحية من اجل المصلحة العليا كما هو الشان في قصة خالد (القصة 3)

الانتحار القدري:

وهو الانتحار الذي يكون فيه الفرد تحت وطات تنظيم اجتماعي قاهر كما في مثال قصة خديجة.(القصة4)

بالرغم من تعرض دراسة دوركهاييم لانتقادات الا انها تبقى دراسة من الاهمية بمكان في محاولة لتفسير الانتحار من وجهة نظر سسيلوجية.

ملاحظة: (القصص التي وردت في المقال كانت من وحي الخيال بهدف تبسيط وتقريب المعنى للقارئ ولا تمت الى الواقع بصلة)

المراجع:

  • دراسة اميل دوركهاييم للانتحار
  • موسوعة اونتوني غيدنز (علم الاجتماع)

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -