أهمية الخصوصية في الحياة الإنسانية.. مفهوم قد يختفي في المجتمع الحديث

الصفحة الرئيسية

أهمية الخصوصية في الحياة الإنسانية

عنوان المقال: أهمية الخصوصية في الحياة الإنسانية.. مفهوم قد يختفي في المجتمع الحديث

بقلم: الأخصائية الاجتماعية/ منار إبراهيم المقحم

الخصوصية حق إنساني يجب الحفاظ عليه:

تعتبر الخصوصية حق لكل فرد، فكل إنسان له الأحقية في حصوله على الخصوصية، بمعناه الحرفي: "التصرف بتلقائية أو انعزال عن نظر الآخرين" أما من الناحية الاجتماعية، فهي تعني حق الفرد في التحكم بالكشف عن الجوانب الشخصية وأحيانًا الأسرية، أو التحكم في الوقت المناسب أو لأي مدى للكشف عن تلك الجوانب. فيحق لكل فرد الموافقة أو الرفض لمشاركة تلك المعلومات أو البيانات الشخصية أو الظروف الحياتية. ويرتبط مفهوم الخصوصية بحقوق الإنسان، فالخصوصية تحقق للإنسان الاستقلالية والكرامة، وهي تعتمد على الأخلاق والقيم الفردية وإن دل تواجدها وتطورها دل على تطور ونمو المجتمع؛ لأنها تعد أقرب ما يعبر عن أفكار الفرد والمجتمع وعن تطور تلك الأفكار. والخصوصية تختلف من مجتمع لآخر، بالإضافة لذلك فهي تختلف من فرد لآخر، إعتمادًا على التفضيلات الشخصية أو معتقدات الشخص حول نفسه، وقد ترتبط بالمرحلة العمرية، والظروف الشخصية. فنجد في بعض الأحيان شخص يشعر بالخجل بجانب من حياته، ويخشى رأي الآخرين حول هذا الجانب، فقد يرفع من مستوى خصوصيته. فالأحوال الإنسانية لها دور كبير في اختلاف مفهوم الخصوصية بالنسبة للأشخاص. من ناحية أخرى، فمفهوم الخصوصية داخل المجتمعات يعد من أكثر المفاهيم والحقوق اختلافًا عبر الحدود الزمانية والمكانية. وتتحول هذه المفاهيم عبر الزمن، باختلاف العادات والقيم والتقاليد والتعليم والانفتاح، وخاصة مع عملية العولمة، فقد أدت لتحولات اجتماعية عديدة ومن أبرزها مفهوم الخصوصية. نظرًا لإتاحة العديد من التطبيقات التقنية (كوسائل التواصل الاجتماعي) التي أصبحت متوفرة لمعظم الأشخاص تقريبًا في كل مكان بالعالم. وبما أن الإنسان هو كائن اجتماعي يؤثر ويتأثر بالبيئة الاجتماعية، فنلاحظ مع ازدياد نشر البيانات والمعلومات الشخصية، بات مفهوم "الخصوصية" بالتغيير والتطور أو حتى بالتلاشي، داخل مختلف المجتمعات. خصوصًا عند إستخدام الإنترنت بكثرة، فالخصوصية هنا تعتبر من الناحية الاجتماعية "حاجة ملحة" من أجل التحقيق بين الاختلافات الفردية والثقافية لكل مجتمع بشري. في حين أن تنظيم الخصوصية، يعد حركة مرتبطة بكل ثقافة وكل مجتمع باختلاف التحكم بتنظيم تلك الحركة، إقترانًا بالجوانب النفسية والسلوكية. مثال على ذلك، يتم النظر الآن للمنظمات والشركات ومواقع التسوق الإلكتروني التي تمتلك مستخدمين متعددين من ثقافات ومجتمعات متنوعة، بأخذ الاعتبار باختلاف الثقافات بين الشعوب مما يحقق الخصوصية. وقنوات التواصل ساهمت في انتهاك الخصوصية، ونرى ذلك من خلال نشر الأشخاص للأخبار والأحداث والأنشطة الخاصة بحياتهم الشخصية. فالإنسان بطبيعته يتأثر بما يشاهده ويعتاد عليه، ويؤدي هذا الاعتياد لربط الأحداث اليومية مع وسائل التواصل الاجتماعي، إلى اعتقاد البعض أن تلك العادة تعد أمر ثابت غير قابل للتغيير في حياة الإنسان، وأن مفهوم الخصوصية تحول لنمط قديم.

آثار انتهاك الخصوصية:

تتمثل أبرز الآثار السلبية لانتهاك الخصوصية، في إحداث أضرارًا متعددة، منها تقنية أو مالية أو نفسية أو اجتماعية. وأيضًا تتمثل في تفاقم الخلافات داخل العلاقات الاجتماعية والعاطفية، وذلك من خلال تقليل الاحترام أو الاتهامات أو إضعاف مبدأ الثقة بين الطرفين في أي علاقة. أيضًا تؤثر تلك العادة السلبية على الشخص المنتهك لخصوصية الآخرين، من خلال إهدار وقته وطاقته في مراقبة حياة الناس، بدلًا من تحقيق الأهداف والنفع الذي يعود على حياته. وكذلك تُحدث تلك العادة مقارنات مؤذية، تتمثل في مراقبة تطورات الآخرين وإنجازاتهم، التي لا تقدم أي منفعة شخصية للفرد. وقد تسبب عادة التدخل في شؤون الآخرين بتقليل الاحترام للفرد، وذلك يرتبط أيضًا بالسماح لهم بانتهاك خصوصيته هو الآخر. ومن الآثار السلبية الحديثة لانتهاك خصوصية الآخرين، انتشار مشكلة التنمر الإلكتروني.

أهمية الحفاظ على الخصوصية:

ينطوي على أهمية الحفاظ على الخصوصية الشخصية، سمات جوهرية، أهمها الاستقلالية الفردية، بمعنى عند توافر الفرصة الكاملة للفرد للتعبير عن نفسه وعن مشاعره بكل تلقائية، فهذا يولد لديه انعزاله الجزئي عن جماعته، وهذا الانعزال تحديدًا يدفعه لمعرفة سماته الشخصية، وتعيين نقاط ضعفه وقوته. فبالتالي، يصبح قادرًا على إدراك أهدافه ورغباته وإمكانياته، فيتخذ قراراته الشخصية بنفسه، ويساعده ذلك في تحقيقه لتلك الأهداف باعتماده على نفسه كليًا. كما تشكل تلك الأهمية في تحقيق كرامة الفرد، فالجميع لديه مشكلاته وظروفه الخاصة، ومن أجل حماية الشخص لكرامته الفردية، يجب عليه إظهار الاحترام لحياته الشخصية؛ لأنه عند قيام الفرد بعرض تفاصيل تلك الحياة الشخصية أمام الملأ، على وجه الخصوص في تطبيقات التواصل الاجتماعي، قد يتلقى الفرد كلمات جارحة أو ساخرة. فعند انتهاكك لخصوصيتك قد يعرضك ذلك للإساءة، وهنا بالوضوح تجرح الكرامة الفردية. ويجب على كل شخص محاولًا حفظ كرامته، أن يحفظ كرامة الآخرين وفق مراعاته لخصوصياتهم. وتكمن أيضًا فوائد الحفاظ على الخصوصية، في استبقاء الهدوء النفسي والاستقرار الأسري، "حياة يقودها عقلك أفضل بكثير من حياة يقودها كلام الناس" -وليم شكسبير. فإن الكشف عن الأحداث اليومية وتفاصيل الفعاليات الحياتية في مواقع التواصل الاجتماعي، قد يُحدث ذلك الشعور بالقلق حيال نظرة الآخرين، علاوة على ذلك، قد تصل لربط القيمة الذاتية بتفاعل الآخرين عبر تلك المواقع. ولدوام السكينة والراحة داخل العلاقات الاجتماعية، ينبغي الامتناع عن عرض المشاكل الشخصية والخلافات العائلية أو العلائقية؛ لأن ذلك يسبب في فيض الآراء من أشخاص قد يكونوا غير مناسبين أو لا يملكون الخبرة الكافية لحل تلك المشكلات، فذلك يشكل اضطراب بالعقل لإيجاد الحلول المناسبة للمشكلات. فالمحافظة على الخصوصية تقلل من تدخل الآخرين في شؤون الحياة الخاصة.

ويرتبط مفهوم الخصوصية بارتفاع مستوى الإبداعية، فالخصوصية تحقق النيل على الإسترخاء وصفاء الذهن ومراجعة النفس، فيسهم ذلك في التخطيط والتنظيم المناسبين لتحقيق الأهداف، فالخصوصية هنا تساعد في حماية الأفكار الإبداعية ومداومة التحفيز للوصول أسرع. والخصوصية تدير وتحافظ على السمعة المجتمعية، بدلالة على ذلك، عند إتاحة تفاصيل التجارب الشخصية للجميع، قد يتعرض الفرد للتوصيم بصفات مشينة، لاستعجال حكم الآخرين بشكل خاطئ. وأحيانًا تلك الصفات الموصومة قد تكون صحيحة، ولكن لكل فرد الحق في الحصول على فرصة التغيير الإيجابي والنمو، فإذا كانت المغفرة بيد الله عز وجل، والتغيير الإيجابي هو حق لكل فرد، فلماذا نسمح بحدوث ذلك؟ لسبب بسيط وهو "إهمال الخصوصية"، بالرغم من أنه لا يمكن السيطرة كليًا على السمعة المجتمعية. وتفيد الخصوصية في المواظبة على الحدود الشخصية داخل العلاقات الاجتماعية، وهذه الحدود هي حدود مادية ومعلوماتية وشخصية وغيرها، فانتهاك الخصوصية يشكل تجاوز لتلك الحدود. والخصوصية تحقق الثقة في العلاقات الإنسانية، سواء كانت علاقات شخصية أو مهنية أو حكومية أو تجارية، فنجاح العلاقات يكمن في تحقيق الثقة بين الأطراف. ذلك أن الخصوصية توفر الوضوح بين الآخرين، إذا تحققت الثقة المتبادلة.

الحدود المناسبة للخصوصية

لكل إنسان الحق الكامل في الحصول على خصوصيته وانعزاله، والقيام بأموره الشخصية بعيدًا عن أعين الآخرين، فله الحق في التعبير عن نفسه وعن أفكاره ومشاعره بما أباحه الله، أي فيما لا يسيء لنفسه ولا لغيره. على أنه مع التطور التكنولوجي اختلف مفهوم حدود الخصوصية، فيعتقد المفكرين بأن الخصوصية تقل مع كل ازدياد لاستخدام الإنترنت والرقمنة. بالرغم من أن الخصوصية تعد فطرة إنسانية تختلف درجتها من شخص لآخر، ومن مجتمع لمجتمع، وحتى في الأزمنة تتطور. فعند ضبط حدود الخصوصية، يقرر ذلك تعامل الآخرين في تلك الحدود، للحفاظ على الخصوصية الفردية. وتنص الخصوصية في الإسلام بتحريم التجسس

بقول الله تعالى: (وَلَا تَجَسَّسُوا) سورة الحجرات [آية ١٢].

كيفية الحفاظ على الخصوصية

حتى تستمر في حماية خصوصيتك يجب الاقتناع التام بأحقية حصولك عليها. ومن الوسائل المثلى للحفاظ على الخصوصية، تتمثل في عدم التعدي على خصوصية الآخرين؛ لأن في ذلك إشارة لعدم قبول الفرد لهذه العادة، بينما لا يمكن تعميم فعالية هذه الوسيلة في كل الأحوال. أيضًا يساعد تقليل عرض المعلومات الشخصية والأنشطة اليومية والتفضيلات، ومعرفة متى يعد ضروري عرضها ومتى يعود بالسلب على الحياة الخاصة، من الأمور التي تساعد في المحافظة على الخصوصية للفرد. ويساعد التقليل من الحديث المفتوح عن الحياة الشخصية وسط الآخرين، واستبداله بتبادل الحوار حول الأخبار العامة والاهتمامات المتبادلة، في تحقيق الخصوصية، عدا أنه يقتضي على كل شخص معرفة وتحديد حاجته في التطرق للتحدث عن أموره الخاصة، مع شخص متخصص أو مقرب يثق به. ويجب وضع حدود شخصية واضحة في العلاقات للحفاظ على الخصوصية، وفي حال تطفل أحدهم، وذلك يرجع لعدة أسباب، أحدها شعوره بأحقيته في التدخل بشؤون غيره إما بسبب الثقافة البيئية أو معتقداته الشخصية، فهنا يفضل اكتساب المهارات المناسبة للحوار مثل الردود الذكية في تغيير خصوص الكلام لأمر آخر، وتشتيت الانتباه عن المواضيع الخاصة. هذا بالرغم من أنه قد يحدث ذلك حساسية لدى الأشخاص المعتادين على انتهاك خصوصية الآخر، ولكن مع مرور الوقت سيعتادون على تلك الحدود الموضحة.

خصوصية الأبناء

يتم تربية الأبناء على حفظ الخصوصية واحترامها من خلال الممارسة الواقعية، أي من بداية التنشئة يدعم الوالدين احترام خصوصية بعضهم البعض وحتى خصوصية أبناءهم، ويتم ذلك وفق توعيتهم بأهمية تحقيق الخصوصية الفردية، وتعليمهم مدى حدود تلك الخصوصية، وما تأثير انتهاك خصوصية الآخرين. ومن أجل الحفاظ على تلك التوعية، يحتاج الأبناء للتحفيز عند اهتمامهم بالأمور النافعة والمثمرة سواء على المستوى الشخصي أو المجتمعي. ويجب على الوالدين تقدير مبدأ احترام الخصوصية وإعطاءه قيمة واضحة للأبناء داخل الأسرة. وعند تفاقم الحال، يجب على الوالدين البحث عن أصل المشكلة والقيام بشكل مشترك لحلها. ويوجد شتان بين الحرص على نمو الأطفال من عدة نواحي وبين انتهاك خصوصيتهم، فإن الانتهاك يرمز للمراقبة السلبية مما قد يتسبب ذلك في تزعزع ثقة الأبناء بأنفسهم، أو شعورهم بالنقص أو بالخوف من الوالدين. أيضًا قد يعمل ذلك على اعتمادية الأبناء على الوالدين في جميع أمور حياتهم. وبدلًا من استخدام عادة مراقبة وتتبع الأبناء، توجد عدة وسائل فعالة وآمنة للاطمئنان عليهم، كالحوار بشكل دوري ومرن مع الأبناء، والإنصات الكامل لهم، واحترام الأفكار ووجهات النظر، وحسن الظن بهم، خاصة عند بدء فترة المراهقة، تصبح الخصوصية أكثر أهمية للأبناء.

الخصوصية بين الزوجين

من الطبيعي أن تتضمن العلاقة الزوجية مشاعر المودة والرحمة والإحسان، فهي علاقة مميزة عن غيرها من العلاقات. ولكن يحتاج كلٌ من الزوجين الحصول على الخصوصية، والاستقلالية، وتوافر بعض المساحة للانفراد، ذلك يرجع لأصل حقيقة أنهم شخصين منفردين عن بعضهما البعض، مهما كان التقارب بينهم قوي. ومن أجل اعتدال واستقرار الحياة الزوجية، يجب احترام خصوصية شريك/ة الحياة. ومن أفضل وسائل الحفاظ على استقرار الحياة الزوجية، الثقة المتبادلة وحسن الظن بالآخر، والمحافظة على خصوصية أمورهم الشخصية بعيدًا عن الآخرين، وعدم اطلاع الآخرين بخلافاتهم.


للتواصل:


+966 55 972 4639

Twitter: @socialwork_mnar
google-playkhamsatmostaqltradent