مقال: هل يعد العدوان سلوكا فطريا؟

مقال: هل يعد العدوان سلوكا فطريا؟

  • هل يعد العدوان سلوكا فطريا؟

يشترك بنو البشر في وجود نوازع فطرية يولدون بها، بل و يشترك في وجود تلك النوازع الفطرية أحيانا مخلوقات أخرى مثل الحيوان.. و من الثابت بالملاحظة التجريبية أن الإنفعال "الغضب" هو أحد تلك الاستعدادات العصبية الفطرية النفسية التي تولد مع الإنسان و الحيوان.. فالإنسان صغيرا كان أم كبيراً يغضب في حالات معينة، و كذلك بفعل الحيوان عندما يوجد في موقف يستثير انفعال "الغضب".

فوجود تحول بين الإنسان و تحقيق غرضه في الإشباع أو الارتياح يستثير غضبه، و عندما يستثار الغضب تكون "المقاتلة هي الأسلوب التلقائي للتعبير عن "الغضب"، و تتضمن المقاتلة توجيه سائر قوى الفرد لإزالة العقبات التي تعترضه للقضاء عليها.

و إلى هذا الحد فإننا لا نستطيع أن نصف سلوك " المقاتلة بالعدوان لأن سلوك تلقائي نابع من ميل فطري لتحقيق حاجة من حاجات الإنسان و موجه للتغلب على عقبة وضعتها البيئة المحيطة، و على هذا فإننا و إن كنا نولد و لدينا ميل فطري للمقاتلة فشتان بين الميل للمقاتلة و العدوان.

إننا يمكن أن نتعلم بفضل التنشئة الاجتماعية السليمة أن نغضب و نقاتل من أجل الحق إذا ما حاول أحد إنكاره، و يمكننا أن نغضب و نقاتل من أجل العمل بالأخلاق الحميدة كنصرة المظلوم مثلا.

و الأسرة أو المدرسة عندما تقفا عقبة في سبيل إشباع حاجات الطفل المختلفة سواء كانت حاجات بيولوجية أولية كحاجته إلى الطعام و الشراب و النوم و الإخراج و التنفس، أو حاجات نفسية مثل حاجته إلى المحبة و إلى الأمن و إلى الحرية و إلى الضبط و التوجيه و حاجته إلى النجاح و حاجته إلى الكشف و المخاطرة يستثار كذلك انفعال الغضب عند الطفل فيلجأ إلى البكاء أو الصراخ أو الهجوم العضلي المباشر على المصدر الذي يقف حجر عثرة في سبيل إشباع حاجته، و الذي يسبب له القمع و الإحباط كي يتخلص منه و يتغلب عليه.

و هنا قد تستوجب البيئة المربية فالاستجابة المناسبة تيسر للطفل إشباع حاجته و تستفيد من الموقف لتعليمه الأسلوب السليم و الصحيح لتحقيق إشباع الحاجة.. ولا تكون هناك ثمة مشكلة.

لكن يحدث في بعض الأحيان أن تهمل رغبات الطفل و يصرُّ المشرفون عليه على عدم الاعتراف تلك الحاجات، بل قد يتمادون في حرمانه إلى درجة يمكن أن يطلق فيها على الموقف أن موقف "تعذيب" للطفل..

وهنا قد يزداد غضب الطفل فيصل إلى درجة تجعله يقوم بتكسير أو تخريب ما حوله، و في أحيان أخرى قد يلجأ الطفل خشية ما قد يقع عليه من عقاب إلى تعذيب نفسه بأن يلقي بنفسه على الأرض و يتمرغ في التراب، و قد ينجم عن ذلك إيذاء لجسده.

و قد يتكرر مثل ذلك الموقف في حياة الناشء فتصدر عنه مثل تلك الأفعال فيطلق عليه أن طفل عدواني.

و بينما نتفق جميع على أن انفعال "الغضب" هو من النوازع الفطرية لدى الإنسان و الحيوان، فإن "العدوان باعتباره النزوع المعبر عن انفعال الغضب"، ربما كان في قدر كبير منه سلوكا متعلما و مكتسبا من البيئة نتيجة لموقفها الخاطئ من إشباع حاجات الطفل بالطريقة الصحيحة و إهمالها للتوجيه الصحيح لحالات الغضب لدى الأطفال.

و إذا كان كثير من العلماء يتفقون على أن الإنسان ليس عدوانيا بطبعه، وإنما يصبح كذلك نتيجة لما يتعرض له من مواقف الإحباط، فإنهم يتفقون على أن "العدوان" وظيفة من وظائف الذات "Ego" تظهر بتأثير الإحباط، فقد أدت البحوث في ماهية الذات و الدور الذي تقوم به لتحقيق رغباتها إلى اعتبار العدوان من وظائف الذا لتحقيق حاجاتها التي تتعلق بحفظ الحياة و تحقيق الأمن، و أن الميول العدوانية لا تخرج إلى نظاق السلوك و الآداء إلا بتدخل من البيئة أساسه العرقلة و التعويق و الإحباط.

  • المرجع: كتاب عدوان الأطفال لمحمد علي قطب الهمشري و وفاء محمد عبد الجواد
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -