تقرير حول (الدولة) - هادي المحمود

تقرير حول (الدولة)

  • عنوان المقالة: تقرير حول (الدولة)

  • بقلم : هادي المحمود
لا شكّ أنّ الإنسان كائن اجتماعي لا يستطيع العيش منفردًا، ولا يُمكن وجود حياة بشرية أو مجتمعات عبر جميع العصور دون تنظيم حياة الأفراد من خلال قوانين وحقوق، وذلك لضبط الغرائز الانسانية التي لا حدود لها وتلبيتها تحت سلطان ما يُسمّى الدولة. والتي بدورها توفِّر الأمن والأمان وتنسيق الموارد الطبيعية والحفاظ على دورة الحياة الاقتصادية وتوفير الحياة الكريمة لأفراد المجتمع، بالإضافة إلى حفظ السّلام مع الدول الأُخرى من خلال الاتفاقيات والمعاهدات والتبادل التجاري فيما بينها، والأهم من ذلك هو المحافظة على دولة ذات سيادة واستقلال.
لأجل ذلك لا بُدّ من قيام بالضرورة اجتماع إنساني يحفظ الإنتاج والبنى الفوقية بالتعاون والتعايش السّلمي بين الأفراد، فهذا الأمر الذي ولّد نظام سياسي ما يُعرَف اصطلاحًا بفكرة الدّولة.

الدولة:

إنّ كلمة الدّولة في مقاربة أولى، تحيل في اللغة إلى ثلاثة نُظُم من الوقائع المتميزة:

  1. الدولة مقابل (المواطنين) أو (الجماعات المحليّة)، تعني شكلاً سلطويًا يُمارَس داخل المجتمع المدني، فبهذا المعنى يجري الحديث عن مساعدة الدولة للمشاريع، أو عن تعدّيات الدولة على الحرّيات الفردية. كما يُشار لديالكتيك العلاقات بين الدولة والمجتمع المدني.
  2. على الصعيد الدولي، فهي ذات مفهوم أوسع. هي مرادفة للمجتمع الشامل، المنظّم قانونيًا في حيّز محدد، والمشارك مباشرةً في السيرورات المبتكِرة للقانون الدولي. أمّ في اللغة الشائعة يُقال على سبيل المثال فرنسا، لبنان، ألمانيا.. إلخ، هي دول، بينما الفقهاء فيوضحون بدقّة أنها: أشخاص القانون الدولي.
  3. أمّا البُعد الثالث، يخترق البُعدَين الآخرين، فالدولة في آن واحد وهميّة ومُنتِجة لواقع. إنّ تمثّلات الكائن الجماعي، المُشخّص والمنفصل عن الأفراد، هي التي تمارس بإسمه امتيازات القوة العامة. وأنّ هذا الكائن المجرّد ليس له واقع إلاّ عبر الإعدادات الرّمزية التي يتمثلها الأفراد، لكن هذا البُعد الوجودي في الخيال يولِّد آثارًا واقعية أساسية.

تعريف الدولة:

توجد الكثير من التعريفات، ولكن اخترت تعريف عالِم الاجتماع الألماني ماكس فيبر كونه الأبرز في هذا الميدان، يقول:" تُعدّ الدولة تنظيمًا عقليًا، يوفّر القيادة الرشيدة التي تسعى إلى استخدام القهر لتحقيق أغراضها"، كما يُعرّفها بأنّها: "مشروع سياسي ذو طابع مؤسساتي، تطالب قيادته الإدارية بالنجاح، وفي تطبيقها للأنظمة، باحتكار الإكراه أو القهر البدني المشروع، ذو الصفة الشرعية."(1)
(1)Weber , M ,The Economy and Society ,N.Y,Mecm 1971,p.57

وقد تشابهت التعريفات بين علماء الاجتماع بشكل شبه متّفق عليه، بأنّ الدولة هي مجموعة من الأفراد (شعب) يقيمون في إقليم بصفة دائمة (حدود جغرافية معينة) وتسيطر عليهم هيئة منظمة، استقر الناس على تسميتها "الحكومة".

أركان الدولة:

لا يُمكن تصوّر الدولة بدون توافر مجموعة من الأركان المهمّة، والتي تتمثّل فيما يلي:
  1. الجماعات البشريّة: لا تقوم دولة دون وجود تجمعات بشريّة، ابتداءً مِن أصغر الجماعات المتمثلة في الأسرة أم أفرادًا تربطهم علاقات مؤسساتية ومصلحة عامة، كما يجب أن تكون قائمة على اتصالات مستمرة ودائمة. ولا يمكن قيام دولة مهما بلغ حجم الجماعات تلك إلاّ إذا كانت نسبة الحضر فيها مرتفعة، ذلك أنّ جماعات الرّحّل لا تكون دولة.
  2. الإقليم أو الحيّز الجغرافي: أمّا هذا الركن فهو يشمل السكّان ويضمن عيشهم المستمر في الحياة بما يحتويه من خيرات والثروات الطبيعية، والذي فيه تُمارس الدولة سيادتها على كافة مساحتها الجغرافيّة وتطبيق قوانينها على جميع المواطنين.
  3. السلطة السياسية: والتي تقوم بتنظيم الجماعة البشرية، من خلال فرض القانون حتّى لو بالإكراه ذلك لتأمين الأمن والأمان للمواطنين.
  4. الإعتراف الدولي: وهذا الركن الذي فرضته الطبيعة السياسية الدولية في القرن الواحد والعشرين وهو الإعتراف الدولي، إذ لا يُمكن قيام دولة في هذا القرن الحاضِر دون اعتراف دولي الذي يتيح لهذه الدولة التعاون مع بقية الدول والمنظمات التابعة لها مثل الأمم المتحدة، محكمة العدل الدولية، الصليب الأحمر، البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، منظمة الصحة العالمية.. إلخ..

وفي هذا الصدد، لا يمكننا الاغفال عن ذِكر النّابغة العربي المسلم عبد الرحمن ابن خلدون كونه المؤسِّس السّبّاق لعِلم الاجتماع، في مقدّمته الشهيرة، بمصطلح "العمران البشري".
إذًا سنورد مفهوم الدولة عند ابن خلدون وهي نظريّة (العصبيّة):

العصبية عند ابن خلدون هي النزعة الطبيعية في البشر التي تؤدي إلى الالتحام والاتحاد بين عناصر أفراد النّسب الواحد، والعصبية لا تقتصر على النسب فقط وصلة الرحم، إنما أيضًا الإنتماء إلى العلاقات العقائدية وتشمل الحلف والولاء. وتبدأ من رابطة الدم إلى رابطة الأمّة، حيث يقسّمها إلى قسمين:
  • عصبية البداوة: وهي العصبية التي تضم أفراد القبيلة وتعاضدهم للحماية والدفاع ضد العدوان الذي تسببه العصبيات الأخرى، فالقوة تصبح قوة جماعية، فكلما تماسكت كلما كانت أشد قوة واستمرارية.
  • عصبية الحضر: فهنا تأخذ العصبية مفهوم أوسع حيث يضطر أهل الحضر إلى التماسك معًا في المدافعة عن أموالهم وأنفسهم وتجارتهم وعرفهم، إلى واليهم الذي يسوس أمرهم أو إلى الحامية أو الجيش الذي يتولى حراستهم. إذ تقوى وتتسع هذي العصبية كلما اتسعت فكرتها ومجالها، خاصة إذا انتمت هذه الفكرة إلى الدين أو حزب وغيرها، حيث تتحول عصبية البداوة والحضارة إلى عصبية واحدة. ويرى ابن خلدون أنّ هذه العصبية من أرقى العصبيات لأنها تدور حول دعوة ما.

معنى الدولة عند ابن خلدون:

الدولة هي المُلك، والتي تشمل عدة أقاليم، وعلى كل اقليم منها ملك أو أمير سميت بالدولة العامة، أو المُلك التام، بمعنى أن تصل الدولة إلى ذروتها وتصبح إمبراطورية. كما يقسّم هذا النوع من المُلك إلى نوعين هما: المُلك السياسي ذو المصالح الدنيوية، والمُلك الديني ذو الطابع الدنيوي والأخروي وذلك بتحقيق المصالح في الدنيا والآخرة.

فالدولة تنشأ من العصبيّة، كما يرى ابن خلدون أنّ للدولة أعمار كأعمار الأفراد ويحدده تقريبًا حوالي ال 120 سنة.

كما أنّ الدولة تمرّ بأربعة أطوار وهي:
  • الطور الأول: الظفر في الغاية أي البناء أو نشأة الدولة بالعصبية.
  • الطور الثاني: الإستبداد والتفرّد بالمجد.
  • الطور الثالث: الترف والدعة (التكاسل).
  • الطور الرابع: الخنوع والمسالمة.
  • الطور الخامس: الإسراف والتبذير.

من نظريّات نشأة الدولة:

  1. النظريّة الإلهية: وهي النظرية التي يرى أصحابها أنّ الدولة تعود نشأتها وأصلها مستمدة من الإله وأنّه هو اختار لها حكّامًا ليدبروا شؤونها وليس الإنسان عاملاً أساسيًا في نشأتها.
  2. نظريّة القوة: هي التي ترى أنّ الدولة نشأت عن طريق سيطرة الأقوياء على الضعفاء، حيث هناك استغلال من قِبَل الأقوياء للوصول إلى الحكم من خلال خوف الأفراد من الحروب وحبهم للأمن والإستقرار، وتُعد وسيلة في بناء الدولة وقوتها.
  3. النظرية الطبيعية: وهي مبنية على طبيعة الإنسان الاجتماعية لأن طبيعة الإنسان أنّه كائن اجتماعي لا يستطيع العيش منعزلاً عن غيره من الأفراد فلا بد من التعاون من خلال التفاعل الاجتماعي، ومن هنا رغبت الجماعات في أن يكون لها قيادة أو هيئة حاكمة، بعد ذلك دولة ذات سيادة وسلطة.
  4. نظرية العقد الاِجتماعي: يرى أصحاب هذه النظرية أنّ الأفراد أجمعوا على قيام دولة من خلال عقد اتفاقيات عليها مجموعة من الأفراد (الحاكمين) يتولّون حُكم الشعب مقابل تلبيتها حاجاتها الأمنية والغذائية وتنسيق العلاقات مع بعضهم البعض، ومن أهم الفلاسفة الداعين لهذه النظرية هم: جان جاك روسو وتوماس هوبز.

أشكال الدولة:

تَختلف أشكال الدُول في العالم فمنها ما هُو بسيط من حيث التكوين، ومنها ما هو مُركَّب الذي يصعب الفَصل بين ظَواهِره بدقَّة. وتختلف أشكال دول العالم بسبب نِظام الحكم المطبَّق فيها.

إذًا، تنقسم دول العالم إلى:
  1. الدولة الموحدة: التي تكون فيها الحُكومة مُوحَّدة فتظهر الدَّولة وِحدة واحدةً مِن الناحية الخارجية أو الناحية الداخليّة مِثل: الأردن، وتتميَّز الدولة الموحَّدة بالخصائص الآتية:
  2. وحدة القَوانين: حيث يخضع فيه جميع المُواطنين في هذه الدولة لنفس القوانين والأنظمة التي نصّ عليها الدستور بدون أيِّ تمييز.
  3. وحدة التحكُّم: وهي وِحدة التّحكم المؤلّفة مِن حكومَة واحِدة تمارِس السيادة الخارجية على أَساس دستور واحد.
  4. وحدة الإقليم: وفيها تخضع جميع الأقاليم والمحافظات إلى الحكومة المركزيّة.
  5. الدولة المركّبة: وهي التي تَتكوَّن مِن اتحاد دولتين أَو أكثر وذلك وفقاً لاتفاقية أو دستور بغية تحقيق أهداف مشتركة مَع إلتزام الدول الداخليّة في الاتحاد لِحكومة مشتركة تتوزَّع بِموجبها مسؤوليات الحكم في هذه الدولة الاتحادية

أَبرز أشكال الدولة الاتحادية هي:

  • الإتحاد الفدرالي: هذا الاتحاد عبارة عن اندماج مَجموعة مِن الولايات في دولة واحِدة، والهدف منه هو تحقيق مصالح مُشتركة وذلك بِموجب دستور متفق عليهِ من قِبَل جميع الأعضاء وَيصبح النظام الأَساسي للدولة الجديدة المنبثقة عنه. كما تخسر هذه الولايات شخصيتها الدولية وَسيادتها الخارجية إذا انحصرت سلطاتها في الأمور الداخلية كالنقل والأمور الصحيّة والتعليميّة. مثال على هذه الدول: الإمارات العربية المتحدة وأميركا.
  • الإتحاد الكونفدرالي: يَقوم هذا الاتحاد بين دولتين أو أكثر ويكون مبنياً على رغبة هذهِ الدول في الاتفاق على إنشاء هيئة مُمثلة لها بِأعمال وَوظائف معينة ضِمن اتفاقيات يوافق عليها جميع أعضاء الاتحاد يهدف إلى تحقيق مصالح مشتركة في الميدان الاقتصادي والدفاع العسكري أو لِأغراض أمنية أو ثقافية. مثال على هذه الدول: مجلس التعاون الخليجي وَ الاتحاد الأوروبيّ.
مع العِلم أنّ بريطانيا العظمى انفصلت مؤخّرًا عن الاتحاد الأوروبي.

المراجع:
  1. علم الاجتماع السياسي، تأليف الدكتور مولود زايد الطبيب، الطبعة الأولى 2007، دار الكتب الوطنية، بنغازي-ليبيا.
  2. علم الاجتماع السياسي، فيليب برو، ترجمة د. محمد عرب صاصيلا 1998، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت- لبنان.
  3. مفهوم الدولة، محمد حسين نصر (عضو هيئة التدريس بكلية الآداب/جامعة سبها)، مجلة سبها (العلوم الإنسانية) المجلّد الرابع عشر، العدد الأول 2015.
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -