نشأة علم الاجتماع

مراحل نشأة علم الاجتماع تاريخيا:

إذا كان علم الاجتماع يتناول المجتمع ككل، ويحدد خصائص الظواهر الاجتماعية، والعلاقات المتبادلة بينها، فيمكن أن القول أن محتواه قديم، قدم المعرفة الإنسانية، حيث عالج كونفوشيوس في زمن ما قبل الميلاد العلاقات الاجتماعية وقسمها إلى خمسة أنواع (العلاقات المتبادلة بين الحاكم والمحكوم، وبين الوالدين وأبنائهما، وبين الزوج والزوجة، وبين الأخوة الكبار والإخوة الصغار، وبين الصديق والصديق) وكانت هذه أو إشارة لتنظيم العلاقات بين البشر على أسس وأصول مكتوبة.

وفي العصر اليوناني جاء الرواد الاوائل من السفسطائيين وكانوا أول من اهتم بقضايا الإنسان والمجتمع، ويرى هؤلاء أن نظماً وضعية (الظواهر الاجتماعية) تظهر في شكل عادات وتقاليد وأعراف سعياً وراء تحقيق أغراض معينة، وإذا لم تتحقق هذه الأغراض يتغير النظام الوضعي، حيث يتلاءم مع طبيعة التطور المستمر في المجتمع. وجاء أفلاطون بعد ذلك وتخيل من خلال كتابه (الجمهورية ) مجتمعاً مثالياً يقسم به الناس إلى ثلاث طبقات وهي : طبقة الفلاسفة والحكام، وطبقة الجند والمحاربين، وطبقة الزراع والصناع.

ثم جاء بعد ذلك أرسطو فكان أكثر واقعية من سلفه أفلاطون واعتبر أن الإنسان مدني بطبعه، ولا يمكن له أن يعيش بمعزل عن الآخرين بل لابد له أن يعيش في مجتمع وبين جماعة، ولا يمكن بالتالي فصل الإنسان عن الحياة الاجتماعية، وهذه الأفكار أسس للحياة الاجتماعية التي اعتبر من خلالها أن الأسرة هي اللبنة الأولى في تكوين المجتمعات.

وفي العهد الروماني ميز الفلاسفة في هذا العهد بين الدول كنظام سياسي، وبين النظم الاجتماعية الأخرى، وقالوا بأن النظام السياسي يجب ألا يتدخل في النظام الاجتماعي، وفي ذلك وضع شيشرون فكرة الجامعة الإنسانية، أي النظام الذي يقوم على فكرة حكم أفراد الجنس البشري بواسطة قوانين موحدة، وهي قوانين الطبيعة.

ثم بعد ذلك تأثر الفكر بفلسفات الشرق ممثلة بالصين وفلسفات الغرب ممثلة بفلسفة اليونان والرومان إلى أن جاء الإسلام، وأثر وتأثر بالأفكار والفكر في ذلك العصر وفيما بعد، وظهر ابن خلدون (1332 ـ 1406م) فأحدث تغييراً في مفهوم علم الاجتماع، وتحدث في موضوع المجتمع البشري في سكونه وحركته، وسمى هذا العلم علم العمران البشري، فأضاف بذلك عنصر الإنسان إلى المجتمع.

أثار ابن خلدون سؤالاً حول « هل يخضع المجتمع البشري في حركته لقانون يحدد مساراته، أم أنه يسير بطريق عشوائية ؟»

وحتى يجيب ابن خلدون على هذا السؤال قام بعدة رحلات في العالم العربي الإسلامي الذي كان يمتد في زمانه من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، فبحث ودرس ودقق على أسس علمية لمعرفة الحياة في المجتمعات المتعددة، كما بحث في طرق العيش، والعلاقات التي تربط الأفراد والجماعات، والحاكم والمحكوم، وفي النهاية توصل ابن خلدون إلى أن التطور الاجتماعي يخضع إلى النظام الاقتصادي وفسر هذا التطور على أساس اقتصادي بحت، لأنه يبدأ ثم يزدهر ثم ينتكس، وخرج بنظريته المعروفة في تغير المجتمعات والبشر(نظرية التغير الدائري) التي أفرزت قانون الأطوار الثلاثة وهو أن القانون الطبيعي الذي تخضع له الدول يمر في نشأة ثم ازدهار ثم اختفاء وهكذا.

 ثم جاء الفرنسي سان سيمون(1760 – 1825م) وكان أول من نظر إلى التطور الإنساني نظرة تقوم على دراسة الواقع، فأول داعية لإنشاء علم للإنسان يرتكز مناهج العلوم المجردة، وقد أدرك ضرورة قيام هذا العلم الجديد، وأسماه الفيزياء الاجتماعية، وكان يقول إن لدينا فيزياء فلكية وفيزياء أرضية، وفيزياء آلية أو ميكانيكية، وفيزياء نباتية وحيوانية، ولكننا لا نزال بحاجة إلى فيزياء أخرى هي الفيزياء الاجتماعية وهي تقوم على دراسة الظواهر الاجتماعية دراسة موضوعية. على أن ينظر إلى هذه الظواهر بنفس الروح الذي ينظر إلى بها إلى الظواهر الفلكية والطبيعية والكيميائية.

ويمكن القول بأن هذه الظواهر الاجتماعية وبكل بساطة تعني : «التصرفات الإنسانية التي توجد على درجة معينة من الانتشار في مجتمع معين وفي وقت معين» ومثال تلك الظواهر(الخطبة، وأسلوب الزواج، الطلاق، وممارسة الشعائر الدينية، والاحتفالات بالمناسبات وأعياد الميلاد.

 وحدد سان سيمون منهج علماء الاجتماع فيما يلي:

  1. دراسة المجتمع الإنساني في بنيته ونظمه وظواهره.
  2. دراسة أشكال التحول الاجتماعي في النظم الاجتماعية.
  3. دراسة العلاقات القائمة بين وحدات المجتمع المختلفة.
أما أوجست كونت(1798 – 1857م) فيعتبر أول من أنشأ علم الاجتماع بالمفهوم الذي يستخدم الأن وعالجه بطريقة منهجية، وقد درس أوجست كونت علم الفيزياء الاجتماعية التي أسسه سان سيمون ثم عدله (كونت) وأسماه العلم الاجتماعي، ثم اختار له اسم علم المجتمع وحدده سنة 1830م، بأنه العلم الذي يدرس الظواهر الاجتماعية دراسة عقلية، ومنذ ذلك الحين وهو معروف بهذا الاسم، واعتبر أوجست كونت الأب الأول لعلم الاجتماع، كما اعتبر فرنسيس بيكون الأب الثاني لعلم الاجتماع لأنه درس الظواهر الاجتماعية دراسة علمية دقيقة بعد أن افترض قاعدة اجتماعية مؤداها أن كل مجتمع من المجتمعات الإنسانية يتطور ويتعرض لظروف معينة وأدوار محدده حتى يصل إلى حالة مثالية.

أما سبنسر فيرى أن المجتمعات تبدأ من حالة الفطرة والبساطة ثم تتطور إلى أن تصل المجتمع الأسمى المنشود، وهذا المجتمع عند سبنسر هو المجتمع الاشتراكي، إلا أن سبنسر ومن كتابه (دراسة علم الاجتماع) ذكر أن التقدم مسألة مقدرة على الإنسان، ولكن تغير المجتمعات نحو الانحلال والتفكك، أو التقدم والتماسك يتحكم فيه ظروف معينة تحتمها ظروف معينة تحتمها طبيعة المجتمع.

أما إميل دور كايم (1858- 1917) فقد أسس الحولية الاجتماعية وهي نشرة متخصصة لتصحيح الفكر الاجتماعي، كان دور كايم متأثراً باوجست كونت، وحمل لواء الاتجاه الاجتماعي، والتأكيد على أهمية الجماعة في تحديد السلوك الإنساني، ويرى دور كايم أن علم الاجتماع هو العلم الذي يدرس الظواهر الاجتماعية والنظم الاجتماعية كما على أنها قائمة بالفعل، وليس تصورات تعتمد على مفاهيم ذاتية.
ثم ظهرت بعد دور كايم اتجاهات ونزعات اجتماعية متعددة وصار لعلم الاجتماع مدارس مختلفة ومنها:
  • أصحاب النزعة الكمية : وهم يؤمنون بالقياس الكمي للظواهر الاجتماعية وهي عبارة عن أحجام قابلة للقياس والعمليات الاحصائية. 
  • أصحاب النزعة السلوكية (النفسية):ويركز هؤلاء على التحليل الاجتماعي مع التركيز على السلوك الفردي في كل موقف من المواقف الاجتماعية في إطار ثقافة المجتمع.
  • أصحاب النزعة الوظيفية: وهم الذين يفترضون استخدام أدوات القياس باعتبار أن التحليل الوظيفي يهدف إلى التعرف على الدور الإيجابي الذي يمكن أن تلعبه الظاهرة في النظام الاجتماعي ككل.
انتقل الاهتمام بالعلم الاجتماع من دول أوروبا وأمريكا إلى الدول الناميـة من خلال الاحتكاك بالثقافة الغربية وأصبح علم الاجتماع علما عالميا ينتج نظريات تساعد على فهم مشكلات العالم المعاصر ووضع أسس للـسيطرة عليها. من خلال ما سبق يتبين أن موضوع علم الاجتماع هو الإنسان والمجتمع، والذي يتضمن البناء الاجتماعي وما يشتمل عليه من علاقات بين إنسان وإنسان، وبين الإنسان والطبيعة، وبين الناس في المجتمع الواحد وغيره من المجتمعات.
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -